كيف سيؤثر تمديد تخفيضات إنتاج “أوبك+” على أسواق النفط؟

 مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة

تشهد أسواق النفط زخماً منذ توقيع تحالف “أوبك+” اتفاقاً لتخفيض إنتاج النفط الخام في إبريل الماضي، وبواقع 9.7 مليون برميل يومياً في شهرى ماي وجوان وتم تمديده إلى يوليو المقبل. ويتزامن ذلك مع علامات على تحسن الطلب على النفط الخام من بعض كبار المستهلكين مثل الصين والهند. ومن المرجح أن تدفع هذه المتغيرات الجديدة أسعار النفط فوق أربعين دولار للبرميل، أى ضعف مستواها في إفريل الماضي، ورغم ذلك، لاتزال آفاق أسواق النفط غير مستقرة نسبياً في ظل هشاشة الطلب العالمي على الخام وسط أزمة “كورونا”، جنباً إلى جنب مع مخاوف لدى البعض من عدم امتثال أعضاء التحالف بشكل كامل لتخفيضات الإنتاج.

تمديد الاتفاق: 

اتفق تحالف “أوبك+”، الذي يضم أعضاء “أوبك” والمنتجين المستقلين وفي مقدمتهم روسيا، في 6 جوان الجاري، على تمديد تخفيضات إنتاج النفط ولكن بواقع 9.7 مليون برميل يومياً لشهر يوليو المقبل، بعد أن كان التحالف قد اتفق في أفريل الماضي على خفض الإمدادات بواقع 9.7 مليون برميل يومياً في شهرى ماي وجوان فقط، على أن يتم تقليص التخفيضات إلى 7.7 مليون برميل يومياً بداية من جويلية إلى ديسمبر 2020.

وقد أظهر تمديد تخفيضات الإنتاج تماسكاً كبيراً من جانب أعضاء الاتفاق، فبجانب الدعم السعودي والروسي لهذه الخطوة، تعهد المشاركون في الاتفاق بالامتثال لتخفيضات الإنتاج على نحو كامل في جويلية المقبل، بعد أن شهد إنتاج بعضهم زيادة فوق المعدلات المتفق عليها في إبريل. ووفقاً لبيانات “أوبك+”، فقد أنتجت العراق 520 ألف برميل يومياً فوق حصتها في شهر ماي، بينما بلغ إنتاج نيجيريا نحو 120 ألف برميل يومياً، وأنجولا 130 ألفاً، وكازاخستان 180 ألفاً، وروسيا 100 ألف برميل يومياً إضافية.

ومن المقرر أن تجتمع لجنة مراقبة وزارية لـ”أوبك+” مرة شهرياً حتى ديسمبر المقبل، بما سيسمح لها بمراجعة وضع السوق ومدى الالتزام بحصص الإنتاج، وتحديد مستويات جديدة لتخفيضات الإنتاج إذا ما اقتضى الأمر، والتي ترتبط بطبيعة الحال بمستوى العرض والطلب العالمي على الخام حتى نهاية العام الجاري.

تحسن الطلب:

بدأت العديد من الحكومات في العالم في إعادة تشغيل اقتصاداتها مجدداً على نحو عزز من استهلاك الوقود في الأسواق المحلية. واستأنف كبار مستهلكي النفط في العالم، مثل الصين والهند، بعض الأنشطة الاقتصادية والتجارية منذ أواخر ماي الماضي، مما زاد على نحو ملحوظ من وارداتهم من الخام من الأسواق الدولية. 

ووفقاً لبيانات الجمارك الصينية، فقد قفزت واردات النفط الخام بنسبة 19.2% في مايو الماضي على أساس سنوي إلى ما يعادل 11.296 مليون برميل يومياً، وبزيادة قدرها 1.4 مليون برميل من مستويات إبريل الماضي البالغة 9.84 مليون برميل يومياً، مما يشير إلى عودة الحياة الاقتصادية إلى طبيعتها نسبياً.   

أما بالنسبة للهند، فقد بدأ استهلاك الوقود في التحسن تدريجياً وليصل إلى نسبة تتراوح بين 60 إلى 70% من مستوياته المعتادة في عام 2019، بعد أن تراجع أكثر من 70% في أوائل العام الجاري. وعلى هذا النحو، فقد استهلكت الهند نحو 2.8 مليون برميل يومياً من الوقود في مايو الماضي قياساً على معدل قدره 4.6 مليون برميل يومياً في مايو 2019.

غير أن الطلب على الوقود في الهند، وفقاً للتوقعات، قد يصل إلى ما بين 80% و85% من المعتاد في الأشهر الثلاثة أو الأربعة المقبلة بالتواكب مع تعافي النشاط الاقتصادي في البلاد. وبجانب الحالتين السابقتين، يجب الأخذ في الاعتبار أن كثيراً من الاقتصادات الآسيوية والأوروبية المستهلكة للنفط والغاز ستبدأ في إعادة التشغيل التدريجي لاقتصاداتها في يونيو الجاري أو يوليو المقبل على أقصى تقدير.

آثار محتملة:

بالتأكيد تمثل تخفيضات الإنتاج من قبل “أوبك+”، بجانب انتعاش الطلب بشكل أسرع من المتوقع، عاملين رئيسيين سيكون لهما دور جوهري في تقليص تخمة المعروض العالمي من الخام والمخزونات التجارية التي تراكمت في الفترة الأخيرة، وعلى نحو سيدفع أسعار النفط إلى مستويات تتراوح بين 40 إلى 50 دولاراً للبرميل، أى ضعف مستويات شهر إفريل الماضي.

ومن دون شك، فإن ارتفاع الأسعار سيكون له تداعيات إيجابية على شركات النفط العالمية، بما فيها شركات النفط الصخري الأمريكي ولاسيما منخفضة التكلفة منها، حيث سيدعم ميزانياتها بشكل كبير. وتشير بعض الاتجاهات إلى أن المستوى الجديد لأسعار الخام سيمكن منتجي النفط الصخري الأمريكي من تعويض كثير مما فقدوه من الإنتاج منذ بداية العام. ووفقاً لشركة “جيه بي سي إنيرجي”، سيسترد الإنتاج الأمريكي نحو 1.15 مليون برميل يومياً خلال شهرى يوليو وأغسطس المقبلين. 

ورغم الآفاق الإيجابية المذكورة، يبدو أن مكاسب النفط غير مستقرة نسبياً، حيث لازال الطلب العالمي هشاً بسبب التداعيات الاقتصادية لجائحة “كورونا” على النشاط الاقتصادي العالمي، فضلاً عن أنه لا يمكن استبعاد احتمال عودة الحكومات لغلق اقتصاداتها إذا تصاعدت الإصابات بفيروس “كورونا” مجدداً. 

وإلى جانب ما سبق، تبقى مشكلة امتثال أعضاء “أوبك+” بتخفيضات الإنتاج تحدياً آخر، حيث لازال كثيراً من أطراف الاتفاق يرغبون في استمرار ضخ النفط بالمعدلات الطبيعية خشية فقدان حصصهم السوقية بالأسواق العالمية للنفط، هذا بجانب احتمال تجدد تخمة النفط الصخري الأمريكي مع ارتفاع الأسعار، وكل هذه الاعتبارات قد تحد نسبياً من مكاسب النفط، ولكن رغم ذلك سيحافظ الخام على أسعار أعلى بطبيعة الحال من مستويات شهرى مارس وإفريل الماضيين.

Related posts

Leave a Comment